تويتر و فيسبوك لن يصنعا مستقبل العرب

admin . أخبار: انترنت و أمن لاتعليقات

حسام عبدربه – العربية، المواطنون العرب، أو قل النخبة منهم، منكبون على التدوين في مواقع التواصل الاجتماعي عبر ساعات طويلة لا نهاية لها، ربما تتجاوز تلك التي يقضونها في عملهم، أو مع أسرهم، أو في المشاركة بأنشطة مجتمعية، أو تطوعية أو غيرها.

ويسعى البعض عبر تلك المواقع وراء أهداف تتفاوت في أهميتها، من التواصل مع العائلة والأصدقاء، إلى التعبير عن الأفكار والرؤى، أو الجدل حول قضايا مثارة، أو مشاركة مجموعات أخرى بعض الاهتمامات في مجالات بعينها.

أما الغالبية العظمى من المستخدمين العرب لتلك الشبكات، فلا تتجاوز أهدافهم تزجية أوقات الفراغ، والبحث عن بديل لمشاعر الضجر التي تفتك بهم في وحدتهم، أو إيجاد متنفس لطاقات عجزوا أن يجدوا لها متنفساً.

لقد تحول التدوين المطول والمصغر إلى عادة يومية، دون الأخذ في الاعتبار جدية المحتوى وصدقيته، وكذلك تحول التقاط الصور لكل شيء، وإن لم يكن جديراً بالتصوير، إلى هاجس يقض مضاجع النخبة في عالمنا العربي، ويأخذها بعيداً، ويحلق بها في عالم بلا فقر أو مرض أو جهل. وربما كانت هذه الرغبة التواقة للتعبير عن الذات وليدة أعوام من القهر، لم يتح فيها لأي قلب أو عقل أن ينبس ببنت شفة.

والواقع أن ثمة الكثير من الفضل الذي يدين به المواطن العربي إلى الشبكات الاجتماعية في التحول والتغيير الذي تشهده المنطقة، متمثلاً في الثورات وحركات الاحتجاج. لقد حطمت تلك الشبكات الحلقة المحكمة التي طوقت بها العديد من الأنظمة العربية مواطنيها، فلم تكتف تلك الأنظمة فقط بالسيطرة على كافة مناحي الحياة السياسية، متمثلة في نخب ومؤسسات قامت بتجريفها تماماً إلى سطحها الصخري، بل ضربت طوقاً حديدياً على وسائل الإعلام التقليدية، لكي تمنع أي فكرة أو رأي من الخروج إلى رحابة النور. ولم يكن صدفة هذا التزاوج بين قمع الحريات السياسية ومصادرة وسائل الإعلام الرسمية، لصالح تكريس الواقع القائم، وتشديد القبضة على كل شاردة وواردة، حتى الفكرة في أعماق القلب والضمير.

وجاء تسلل مواقع التواصل الاجتماعي إلى قلب الحياة السياسية في غفلة من الأنظمة الحاكمة، التي لم تعر أهمية إلى قدرة تلك المواقع على استقطاب النخب الراغبة في التغيير، ونشر الأفكار والوعي، وتنظيم الاحتجاجات والتظاهرات، الأمر الذي ترافق مع واقع مزرٍ، ازداد ظلمة وقتامة بِكَرّ الأيام والسنين. ولا يزال الزخم مستمراً، بعد سقوط أنظمة واشتعال ثورات واحتجاجات، حيث نجد على تلك الصفحات مناقشات مستنيرة ومطولة حول كافة القضايا المثارة من ذروة عالم السياسة إلى تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة.

والملاحظ أن ثمة إجماع بين القاصي والداني، على أن الشبكات الاجتماعية لعبت دوراً في الحراك السياسي الحادث في منطقتنا العربية. وإذا كان التوثيق العلمي لطبيعة هذا الدور وتأثيره في الحراك، مقارنة بعوامل أخرى لا تزال في المهد، إلا أن “الربيع العربي”، مثل أي ظاهرة تاريخية، لا يمكن تبسيطه وتفريغه من محتواه وإلحاقه بسبب أو عامل منفرد، حتى لو كان “تويتر” أو “فيسبوك”.

والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت مواقع التواصل الاجتماعي قد ساعدت أو قادت التغيير في قمة الرأس السياسي، هل يمكن لها أن تلعب دوراً رئيساً أو أقل درجة في تغيير الواقع الاجتماعي الهش، الذي يحاصر الموطن العربي في حياته اليومية؟.

الملاحظة الجديرة بالاعتبار هنا هي المقارنة بين نشأة واستخدام شبكات التواصل الاجتماعي في الغرب والشرق. ففي أمريكا وأوروبا، تأسست هذه الشبكات وانتشرت عقب إنجاز الدولة والمجتمع والمواطن لمهامهم الأساسية في صناعة مجتمع الرفاهية في ظل قيم الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة وحرية التعبير.

لقد تحول الغرب من أرض الواقع إلى العالم الافتراضي، وواصل استخدام هذه الأدوات الجديدة لتطوير مجتمعاته نحو آفاق غير محدودة. وأصبح التدوين الإلكتروني انعكاساً للكتب التي يقرأها المجتمع الغربي، والتكنولوجيا التي ينتجها، والقيم التي يتمسك بها. ولهذا، فإن التقارير التي تحدثت مؤخراً عن تراجع شعبية موقع “فيسبوك” ليست صادمة على الإطلاق، لأن ثراء المجتمع الغربي ووعيه وتنظيمه يتيح له أن يكون صاحب المبادرة في إطلاق الأفكار والتخلي عنها أيضاً.

أما في المنطقة العربية، فقد جاء استخدام شبكات التواصل الاجتماعي والتوسع فيها قفزاً على الواقع. فما معنى التدوين الإلكتروني في مجتمعات لا تكتب ولا تقرأ ولا تنتج، إذ تسجل أدنى المعدلات في إنتاج الكتب وقراءتها، فالعالم العربي مجتمعاً لا ينتج عدد الكتب التي تطبعها إسبانيا منفردة.

ومن أين يأتي الكاتب بالفكرة إذا كان لا يقرأ ولا يشاهد أحداً يقرأ. وحتى إذا التفت إلى شاشات فلا يجد أثراً لكاتب أو عالم أو باحث، فالمشهد استولى عليه نجوم الإعلام والرياضة والفن وتلفزيون الواقع، وبات الترفيه أيضاً هو الغاية والمقصد، وإذا كان ذلك مقبولاً في مجتمعات أنجزت رسالتها، فإنه يعد نوعاً من العبث وإهدار الطاقات في مجتمعات لم تبدأ بعد رحلتها.

ناهيك عن التردي في الإنتاج الاقتصادي الذي جعل العالم العربي عاجزاً عن التميز حتى في المنتجات التي لا تحتاج إلى خبرة تكنولوجية متقدمة.

وبتعبير أكثر صراحة، لقد هربنا في العالم العربي – عبر شبكات التواصل الاجتماعي – من بؤس الحياة إلى جمال الواقع الافتراضي المنمق، الذي لا يضم سوى شاشات لامعة وصوراً ملونة وموسيقى شجية، وتجاهلنا عن عمد، قبح عالمنا الحقيقي الذي يعتصرنا في كل لحظات حياتنا، وعلى ذروته مشاهد ملايين الفقراء الذين لا يجدون ما يكفي للحفاظ على آدميتهم.

إن الاستمرار في حذو النموذج الغربي لاستخدام شبكات التواصل، والانغماس الكامل لساعات طويلة في هذا العالم لدرجة الانعزال، لن يحدث التغييرات التي تمكن الثورات من حصد نتائجها، فالديمقراطية لن تقوم في عالم فقير أمي، حيث تسهل قيادة الجموع التي لا تملك فكراً، ناهيك عن إمكانية شراء الولاء والأصوات بثمن بخس.

آن الأوان لكل مواطن عربي، أن يخصص جزءاً من ساعات التجوال الممتدة في العالم الافتراضي، إلى بذل جهد حقيقي للتغيير، وإن لم يكن على نطاق جماعات أكبر، فالحد الأدنى هو العمل على تطوير وزيادة تمكين الذات، بما يتيح القدرة على مد يد المساعدة للآخرين في الدوائر الأقرب. وأتصور، على سبيل المثال، أن محاولة تعليم مواطن عربي القراءة الكتابة في المرحلة الحالية هي أجدى نفعاً من الكتابة والتدوين لساعات طويلة على الشبكات الاجتماعية.

وكلنا يستطيع أن يجد مجالات عديدة للمشاركة في بناء المجتمع الجديد، بدءاً من العمل اليومي الدؤوب وانتهاء بالعمل التطوعي، وغيرها من الأفكار والمبادرات التي لن يعدمها من يسعى إليها ويرغب بها ويقتنع بجدواها. فالمجتمعات الغربية التي نتغنى بجمال شوارعها وروعة مبانيها وانضباط خدماتها، ليست وليدة أناس مغرقين في العالم الافتراضي، ومقطوعي الصلة بواقعهم.

إنها قصة شعوب أحبت مجتمعاتها وأخلصت لها وبذلت في سبيلها أعز ما تملك.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق